السفرُ الأخير | عاشوراء ١٤٤٢هـ

أمشي إليكَ بدمعةٍ مسكوبةٍ
حتى أريقَ بها على الجثمانِ
هل قد أرقتُ من الدموعِ محاجري
أم قد أرقتُ بكارةَ الأشجانِ
ظمآنُ تُطفئُ في الكبودِ حرارةً
لكنّ من يطفي جوى الظمآنِ؟
من قد يصون الشوق في ترحالهِ
إذ يصطلي في ذروةِ الوجدانِ
ما بين مذبوحٍ تفرّقَ بعضهُ
و مسافرٍ في حومةِ الميدانِ
أشلاءهُ بين الرمالِ طريحةً
مسلوبةً من أسهمٍ و سِنانِ
سفرٌ و لستُ أرى بمتنِ ركابهِ
إلا القطيعةَ في رحى الأوطانِ
الجسم في أرضِ الطفوفِ معفرٌ
و الرأسُ آهٍ كيف يلتقيانِ؟
آياتُهُ.. فرشُ العراقِ و ثكلها
و الشام تُعلي النصل بالقرآنِ
رتّلتهُ في الكهفِ دون ثنيةٍ
فتسيلُ أحرفُهُ مع الأجفانِ
لما ارتفعت إلى السماءِ رأيتها
تهوي و لكن في ارتطامٍ ثاني
هل كان صدركَ بالسهامِ مكللًا
حتى تهاوت في عرى الأكفانِ

– شهد زُهير

أن تكونَ فيَّ |

لو كان غير الماءِ يُغرِقُ سابِحًا
فلقد غرِقتُ متى ارتمت عيناكَ
شطآن أم سر الحياةِ يصبُّ في
قلبي فيعذبُ في هوى مجراكَ
أنا كلما بحثَت خرائطُ مهجتي
عن وِجهةٍ لم ترتضِ بسواكَ
أفعُطِلتْ.. كل الجهاتِ مشيرةً
أن لم يكن في العمرِ غير هواكَ
أحويكَ مثل النبض يلزمُ قلبَهُ
و إذا تغيبُ فأعتني بصداكَ
و أقيسُ عمر الوقتِ في إتيانهِ
إياكَ حتى أرتمي بمداكَ
و إذا غدوتُ من الهيامِ قصيدةً
فلأنني رُوّيتُ غيثَ سماكَ
أنا إذ أقول (أنا) أشرتُ إلى الذي
قد كان في الحبِّ العظيمِ هُناكَ.

  • – شهد زُهير

صفحةٌ بيضاء |(شعورٌ مؤقّت)

بعد أن قمت باتلاف جميع دفاتر يومياتي للسنوات الـ ٥ السابقة، لا أدري لم أشعر بحجمِ هذا العبء عندما أفكر الشروع بكتابة صفحة جديدة. لماذا أشعر بأنني أستوفي حقي بتدوينِ الساعات المهمة من يوم الغد أو المهمات التي عليّ أن انجزها و أتخطى في ذلك الحديث ولو لنصف ساعةٍ إلى نفسي. هل أشعر بأنني أتلف العهد عندما أواجه الصفحة البيضاء؟ أم أنني أخشى من كمينِ الاسترسالِ في الأمر؟ وما الذي أخشاهُ في الاسترسال؟ أمر يعود إلى يقيني الكبير بأن الكتابة تحمل قدرًا كبيرًا مني أحاول ألا أخوض فيه مثلًا؟ أم أن الكتابة تجعلنا أكثر قابلية للتحليلِ الذي قد نتجاوزهُ عندما لا نستغرق فيه؟ وما جدوى أن يكون المرء متجاهلًا لحقيقةِ شعورهِ الذي سيظل يقيم في أكثر الأشياء بهجة ليجردها المعنى؟ لماذا لا نقبل بصراحةِ الشعور و نقبل بفكرةِ الركضِ هربًا في كل مرة؟ هل الإرهاق الجسدي يقلل من شعورنا بالذنب اتجاه عدم المحاولة؟ أم أننا اعتدنا بأن قيمة الأشياء تكمن دائمًا في الحركة؟ أليست الكتابة شكل آخر من الحركة أيضًا حتى لو انزويت في نقطةٍ صغيرة من الفكر على أن تستقرَ في أعماقِ صفحة بيضاء؟

مثل غصة في العمرِ ألا تجد وقتًا لكي تتحدث بهِ إلى نفسك أو أنكَ تركنُ للهروبِ منها. أن تشعرَ وأنت على وسادتك تستعد للنومِ قبل أن يوقظك منبه الخامسة الذي سيصدح بصداه بعد ٣ ساعات فقط بأن الوقت لا يسعك. لا يسعك لأجلِ أن تشعر. لا يسعك لأجلِ أن تعالج بعض الأمور. لا يسعك لأجلِ أن تبكي أو تبتهج، لأنه فقط.. لا يسعك أن تصارحَ نفسك أو تشعرَ بها. هكذا.. كآلةٍ عليها أن تنتج دون أن تعي بما تنتجه. دون أن تعي بأي شيء. فكأن الوقت كله هو اللاشيء. و كأنك تحيا مفصولًا إلا عن رغبتك الهزيلة في النجاةِ بالهرب.

– شهد زُهير

قدسية الوجود | الإمام الحسين (ع)

أتستحيلُ عندكَ الأشياءُ و أنتَ تهزُّ منها مهد الإيجادِ فتنفتقُ غشاوات الامتناعِ لتهطلَ ماءً على الظامئين؟
و هل تستفيضُ حياض العاشقين من غيرِ أن تحضِرَ في رُباها كيانًا، روحًا و معنىً قد خلدتهُ كربلاء فساقت الأنفسَ نحو ارتقاء الكمالات فناءً في الربِّ و اكتواءً في ذروةِ العشقِ حيثُ ما كنتَ أنتَ كما كان فيكَ، فذابت فيكَ معاني الحبِّ وقد ذبتَ بها حتى صيرتكَ متحدًا بكياناتها وصيرتها متحدةً بكيانك، موصوفًا بها، و موصوفةٌ بكَ فمتى ذُكِر العاشقون كانت ذكراك، ومتى رمى الراكبون برجاءِ العرفانِ كانت مراكبك تقيلُ القاصدين.

هناكَ..
وقفتَ و أنتَ تسطِّرُ للوجودِ حقيقة المعنى في قدسيةِ الوجود و تجنبهُ مرارة الجهلِ و الإنفضاض بعد أن أسبغتهُ بواعث الفقرِ و الغفلة. فمدّ لنا يا حسينٌ نحو قداسةِ الوجودِ كفًا تفيضُ أصالة الحبِّ فتقينا احتباس الماءِ او اضطراب تصريف الرياح فتستثيرُ بنا الأمواج يوم لاينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

– شهد زُهير

العرفان | الإمام علي (ع)

شِغافٌ في انتشاءِ الحبِّ حبًا
يذيبُ البدءَ من فصلِ الفطامِ
ولجتَ بهِ احتدام القلبِ حتى
رويتَ بمنتهاهُ فمَ الأوامِ
أزحتُ عن القوافيَ كل بحرٍ
فثارت فيَّ ملحمةُ الكلامِ
أعيدُ إلى القصيدِ/ إليكَ بعضًا
وأنتَ تفيضُ فيكَ يدُ التمامِ
وقفتُ على الصحاريَ في شرودٍ
كليلٌ كيف أبحثُ عن خيامِ؟
فجئتَ كدوحةٍ للبردِ ظلًا
وتهطلُ في الحماوةِ كالغمامِ
أرحتُ على الحفاوةِ مستحيلي
و ثغر النقص يصدحُ في لزامي
فكان الصوتُ يهمسُ في حنينٍ
بأن السرَّ يكمنُ في الهيامِ

– شهد زُهير

وجهةٌ للحياة |

منذ انطفأتُ و مرسى العمرِ مرتعشٌ
و الأفقُ يسكبُ بي ما فاض فاتسعا
كنتِ ابتدأتي بتقسيمِ المدى قطعًا
كي تنثرينَ غبار الهمِّ ما اجتمعا
قد كنتُ أخشى إذا ما النار في شُغُلٍ
ما ضرَّني الآن خيطٌ فيها لو سطعا
الليلُ مهدٌ تصيغ المرء أركنهُ
و الصبحُ وجهٌ لكِ في المهدِ قد طلعا
أمضيتُ تُسرِفُ في الأوجاعِ أخيلتي
حتى غدوتُ مِرارًا أشتهي الوجعا
لم تبصر العين مني طيف مرثيةٍ
حتى شعرتُ بهِ في القلبِ قد وقعا
للهِ كم أوقفت كفايَ من جبلٍ
رقّت لهُ النفسُ حتى انهارَ وانصدعا
إن قلتُ : قد غابَ و استعذبتُ لحظته
أدلى ليجمعَ ما بالنفسِ قد شُفِعا
فلأنتِ يا مبسمًا في القلبِ أألفهُ
يا منبعًا في مجاري القِبلةِ اندفعا
قد كان بابٌ من الأوهامِ مُحتكرٌ
لكنهُ اليوم هذا اليومُ قد قُرِعا.

– شهد زُهير

مرآة الماء |

أفلتُّ من زَبَدِ الأوهامِ منسأتي
حتى ارتمت في سفوحِ الوهمِ مرآتي
و استأنس التيهُ في تحسينِ أجنحتي
فاستحكمت في عيونِ البأسِ غاياتي
قد نبّأ الماءُ غرقاهُ بعلّتهِ
لو كان يعلمُ من غرقاهُ (علاتِ)
إن كان يخشى أجاج الماءِ مذبحةً
أنا الذبيحُ و مجرى الماء في ذاتي
قد كنتُ أحملُ نحو الضوء أمتعتي
حتى أفقتُ على شجيٍ و مرثاةِ
هل كنتُ شكلًا رواهُ الماءُ في شجنٍ
فانصبَّ حزنًا بلا قبرٍ و مرساةِ؟
فانصبَّ حزنًا بلا تعبيرِ شاهدةٍ
فيها تُحَلُّ غِصاصٌ ملأَ عبراتي
الماءُ يحضرُ في فصلِ الحِمامِ دمًا
قد عانقَ الخوفَ في محضِ احتضاراتي
مازلتَ تصرفُ رَوحَ العيشِ عن أُفقي
أنا أعالجُ شجوًا زيت مشكاتي
أدنيتَ رَوحًا من الأحلامِ سابغةً
قد أحرمت في غمامٍ من معاناتي
هل صيّر الهمُّ أمجاد الصِبا كِسفًا
أم أن ذلك بعضًا من حشاشاتي
أمعنتُ في الماءِ/ في المنفى وفي شجني
فازددتُ فهمًا بأن الماء مرآتي.

– شهد زُهير

درُّ العيونِ بمهوى العينِ ما لبثا
جمرُ ارتحالكَ في الآماقِ قد عبثَ

هل كان منكِ سخينُ الماءِ ملتهبًا
أم أن صدرَ الفُراتِ اليوم قد بُعِثا

– شهد زُهير

#نبي_الرحمة

حفرة الملتقى |

لما ارتمى يوسفٌ للوصلِ من جملٍ
قد كان يعقوبُ ملء العينِ و البصرِ
و أنتِ يا زينبٌ للوصلِ هاملةً
منكِ الجموع إلى الغبراءِ و الحُفرِ
قد مسّ يعقوب كفيّهِ فدلّلهُ
و ترفهُ الروح منكِ من جوى العِبرِ
ما بين أن يُنظرَ المحبوب في وَضَحٍ
و بين أن يسكن المحبوبُ في الصورِ
البدرُ تحت تراب اللحدِ مفترشًا
فأي سلوىً تفي من فلقةِ القمرِ؟
تفنى سنونٌ و تبقى دونها سنةٌ
و أنتَ دومًا حبيب القلبِ في الأُخَرِ.

– شهد زُهير

١٤٤١ هـ.

عقدٌ من الزمان |

لذكرىً في التهابِ القلب زهرتُهُ
و يومٌ فيكِ بعدٌ لستُ أدرجهُ
كأن اليوم بعد رحيلكم سنةً
تهزِّ نخيل أيامي فتنضجُهُ
لأطعمَ من ثمارِ الشوقِ ناعيةً
تغوصُ بعمقِ مكنوني فتلعجُهُ
وما كانت نواعي العمرِ قادرةً
على ردٍّ إذا ما الحزن تسرجُهُ
تداعت كل بنيانِ الجوى نزلًا
بقلبٍ في ربى الأرجاءِ ينسجهُ
حملتُ النار و الأشواق من تعبٍ
فصار الشوق نهجًا رحتُ أنهجُهُ
لماذا تركتي فيَّ الحلم مشتعلًا
فيقتاتُ الأسى منهُ و يدلجُهُ
ألستِ عهدتِ لي يومًا بوصلتنا
فمن للحلمِ بعد الآنِ يخرجُهُ؟

– شهد زُهير

ذكرى الرحيل العاشرة لحبيبتي و قرة عين القلبِ مني.. جدتي، الزهرة التي لا تنطفئ. لطالما رعت أحاديثنا حلم الغدِ لِـ أن ندخل معًا من خلالِ هذا البابِ و أكبرُ داخلهُ خلال عينيكِ و تكبرين أنتِ بأمجادِ مودتكِ و حنانِك فتعانقين بي رتابة الأيام. فهل تذكرين انتظارنا لموسم الليمون عندما كنا نعده لأملِ الغد؟ و هل تذكرين عندما كنا نجتمع حولكِ و نحن نلقي طرفًا بين كل لحظةٍ وأخرى إلى خزانتكِ متلهفين لحلوى اليوم؟ و وقت النوم..يا لبهجة وقت النوم عندما كنا نقوم بصفِّ المراتبِ حولكِ و نتسابق على الفجوة المتبقية لكي نملأها، فكيف لداركِ ألا تضيق بنا أبدًا إذ تتسع كذراعين لإحتواءِ كل من يقبل إليها؟ و أين ابتسامتكِ التي انسكبت بها ينابيع الحياة و تفجرت من خلالها رياض الهيام ففرشت صفحة الماء على جسر العبور. فكيف ذابت كلماتكِ في جعبةِ الارتحال عندما أخبرتيني يومًا :”بس يخلص البيت، تعالي سكني معاي” و لماذا تركتي الحلم طُعمًا لظلمةِ الليلِ و أنا لا يسعني أن أطويَ الليل من خلالِ كفيَّ الصغيرتين؟ فـ“عندي كل هذا الليل، كيف أضيئهُ وحدي؟” على روحكِ الريحان و مهجة الحبِّ التي يغتسلُ بها ذبول العمر. الفاتحة على طيبة الروح و القلب.🌷